يبتزّكَ هذا الساحلُ

يُغريكَ بأجنحةِ الصبحِ
لكي تنقشَ في الماءِ حكاياكَ
وترحلَ في صمت ..

يُغريكَ الساحلُ بالموتِ بعيداً
خلفَ الأسوارِ

وخلفَ أمانيكَ الحُلوةِ

يبتزُّكَ حتى الرّمقِ الأدنى.

كيف أموتُ هناكَ بلا كفنٍ
يدفعُ عني النملَ
ويستُرُني
حين تعُمّ الدّهشةُ وجهَ الأرضْ ؟

إني لا أخشى الموتَ
ولا العُريَ
ولا الغُربةَ

لكني،
أخشى أن يأكلَني النملُ الأحمرُ
قبل الفجرِ
فلا تعرفُني أمي ..

إني أكرهُ ألا تعرفَني أمي

أكرهُ أن ألقى الأحبابَ
بلا عينينِ
بلا شفتينِ
بلا قافيةٍ.

ما أصعبَ أن ينهالَ النملُ على قافيتي.

ماأصعبَ أن تَطرُقَ بابَ القبرِ وحيداً ..
أو يشتدَّ بكَ البردُ على بابِ جهنّمْ.

أن تخرجَ من بيتكَ بالمِسْكِ،
تُعطّرُ جدرانَ البلدةِ،

ثم تعودَ إليه بخفيكَ وأوساخِ الشارعْ.

أن يمتصَّ الساحلُ قلبَكَ،
أن تكتبَ للوردِ بلا قلبٍ،

أن تُتْرَكَ للسوقيّةِ
تنهشُ في رأسكَ ذاكرةَ الرّملِ الأصفرْ.

ياامْرأةَ القيصرِ
إنا لغةٌ تتكسّرْ.

إنا لغةٌ،
يمضُغُها الوقتُ
ويبصُقُها ذهباً
يتشظّى قهقهةً في الطّرقاتْ.

دوسي ما شئتِ بنعليكِ الجائعتينِ
على هذا اللّحمِ الفاسدْ.

واختالي كالطاووسِ بأذيالكِ،
فوق شفاهِ البُكْمِ.

وقولي للقيصرِ
ألا يرهقَ عينيهِ الجاحظتينِ
بهذا السّفْرِ المُظلمْ.

وَلْيُطْبِقْ جفنيهِ على العتمةِ
حتى يسودَّ الداخلُ أكثرْ.

ودعيهِ يعُبُّ من الآبارِ المُرّةِ،

علَّ الفاقةَ تبلُغُ ذُروةَ هذا السّفَهِ المعقودِ ولائمَ
للسيّارةِ،
والسيّاحِ المهووسينَ بِحَرِّ الصحراءِ،
وللّحْمِ المُتَرَجْرِجِ كالفقْماتِ على ساحِلنا الفضّي ..

على ساحِلِنا الفِضّي،

رأيتُ الناسَ جميعاً
إلا البحارَ
فما كان له أثرٌ ..

أحفادَ البحرِ،
انسلخَ الموسمُ
والغائبُ في شرنقةِ الصمتِ الباردِ
ليس له أثرٌ ..

كيف تواطأ هذا الساحلُ والنورمانُ عليكَ
وأنت البحرُ
وأصدافُ البحرِ
وزوبعةُ الماءِ الدافئِ ؟

من أيِّ ثغورِ الأرضِ اجتاحَكَ وحشُ الأعماقِ ؟

وكيف ؟
وأين ؟

وماذا قال الشعراءُ
إذْ امْتلأتْ رئتاكَ بماءِ القّهرِ
هنالِكَ خلفَ بحارِ الأرضِ جميعاً

ماذا قال الشعراءُ إذْ اشتدّ الصّمتُ
وأَحْكَمَ قبضَتَهُ النكراءَ على ثغرِ الأرضِ،

وأنت تُودّعُ بالأصفادِ الفولاذيّةِ
في رجليكَ الحافيتينِ الأصدافَ،

وعيناك إلى البحرِ تَخُطّانِ طريقَ العودةِ ؟

ياقلبُ اسْتبقِ الموجةَ نبضاً ..

يا بوصلةَ البحرِ وياسِرّ البحارينَ،

اسْتبِقِ الموجةَ ذاتَ النبأِ السيّءِ
فالعاصفةُ المشؤومةُ هذا موعِدُها ..

* * *

أنْبَأَنِي النّورسُ
أن الطلقةَ هذي المرةَ
سوف تكونُ من الخلفِ
وهذا موعِدُها

أن أظافرَ عبدِاللهِ ابْنِ أُبَيٍّ،
مازالَ بها شيءٌ من لحمِ الأنصارْ.

أن الداخلَ قد حلَّ بتاهَرْتَ

ومازالتْ تلهثُ خلفَ عباءتهِ الأمصارْ.

أن الأندلسَ الآنَ تُشَيّعُ جُثْمانَ القبليّةْ ..

قالَ النورسُ ماقالَ،

وَوَشْوَشَني بكلامٍ آخرَ
حَلّفني ألاّ أفشيهِ

لكن العينَ امتلأتْ فُلاًّ ..

فابْيضّ البحرُ أمامي أشرعةً
كثيابِ العُرسِ المشغولةِ باللؤلؤِ
واخضرّ طريقُ البحارْ.