سُكّرُ الوقتِ

يحتاجُ سُكّرةً كي يطيبَ

ويُؤتي حلاوَتَهُ مثلما كانَ ..

 

كُلُّ السّكاكِرِ

مهما تُقَلّبُها ها هُنا

لاتبوحُ بِأسرارِها ..

كُلّها لاتُغَيّرُ للشّايِ طَعماً ..

 

تَذَكّرْتُ شايَ بِلادي ..

مرارَتُهُ حُلوةٌ،

تَلمَسُ الرّوحَ ..

تلكَ المرارةُ،

توقِظُ كُلّ الحواسِ

وتُطلِقُها في البلادِ،

لترجِعَ بالشّعرِ

والعسلِ المُستطابِ ..

 

هنالِكَ تحلو الحياةُ

بلا سُكّرٍ ..

 

***

 

نامَ أهلُ المدينةِ

والْتَحفوا صمتَهُمْ

بعد يومٍ طويلٍ،

تغيبُ بهِ الشّمسُ

بعدَ عناءٍ طويلٍ،

تغيبُ بهِ الرّوحُ عن وعيِها ..

 

أنتَ لستَ ترى في الشوارِعِ

غيرَ العيونِ،

تُحدّقُ فيكَ

ولكنّها لا تراكْ.

 

إنهم نائمونَ

يسوقهُمُ التّعبُ المُتراكِمُ

قبلَ المغيبِ

إلى حيثُ لا يسكُنونْ.

 

إنهم نائمونَ

ويمشونَ

يجرونَ

كلٌّ إلى بيتِهِ ..

ثمّ يستيقِظونَ على جَرَسِ الشمسِ

كي يُكمِلوا دورَةَ العيشِ ..

 

***

 

يا سُكّرَ الوقتِ

تحتاجُ سُكّرَةً كي تطيبْ.

 

مَرّ يومانِ:

يومٌ بلا نكهةٍ

كالهباءِ

ويومٌ بِنكهةِ روحِ الغريبْ.

 

سُكّرُ الوقتِ

يحتاجُ سُكّرةً كي يطيبْ.

 

في الرّصيفِ المُوَشّى ببعضِ السُّكارى

وبعضِ الكلابِ الأليفةِ والصّمتِ

أمْشى ..

أَمُرُّ على الكائناتِ المُسَجّاةِ بينَ المقاهي

وأَعبُرُ بين حِذائي وقُبّعتي ..

كي أكونَ بِحجْمِ الحقيقةِ،

لا أتعالى على أحدٍ في الطّريقِ ..

 

هُنا الناسُ أبسطُ مِمّا نظُنُّ،

لِذا

سأحاوِلُ أنْ أتعلّمَ

درسَ البساطةِ مِنهُمْ.

 

مساءُ البساطةِ

قلتُ لسيّدةٍ

كلبُها مِثْلُها

لا يسيءُ إلى أحَدٍ ..

كم جميلٌ هو الكلبُ سيّدتي قلتُ

فابْتَسَمَتْ ..

 

سيّدي ..

أنتَ أجملُ يا سيّدي

وابْتَسَمْتْ.

 

هكذا تَكسَبُ الأصدقاءَ هُنا

والكلابَ

وَوُدَّ الحمامِ

وبَطَّ الحديقةِ

والنّهْرَ

والغيمَ

والشّمسَ ..

حتى ترى اليومَ أقصَرَ

في الصيفِ.

 

***

 

يا صيفُ

لستَ كصيفِ بلادي

وإنْ طالَ يومُكَ ..

 

طُلْ ماتشاءُ

فما جِئتُ حتى أنامَ

 

أنا يَقِظٌ حيثُما كُنتُ

حتى بنومي ..

 

 

أنامُ

لكي لا أُخالِفَ سَمْتَ العصافيرِ

أو

أتعالى على النائمينَ

وأعبُرُ بينَ حِذائي وقُبّعَتي بِسلامْ.

 

سُكّرُ الوقتِ

يحتاجُ سُكّرَةً ..

 

ودمي سُكّرٌ

تتلاشى حلاوتُهُ ..

 

لا أحِنُّ لصيفي هناكَ

ولكنْ

إلى سُكّرِ النّخْلِ

أرنو بقلبي

وترنو إليَّ النخيلُ بلا سُكّرٍ ..

 

طَعمُ هذا المكانِ

جديدٌ عليَّ

وطَعْمي

جديدٌ عليهِ ..

 

نُحاوِلُ أن نتبادَلَ بعضَ الطِّباعِ

لكي نتعارَفَ أكثرَ ..

 

نفتحُ بابَ الحوارِ،

نُخبِّىءُ ما لا يليقُ من البوحِ

بينَ غريبينِ ..

 

نُكثِرُ ممّا يُقَرّبُ بينهُما ..

عَلّنا نلتقي

أو

نُذَوّبَ غُربَتَنا في البُحيرةِ

حيثُ السّماءُ ترى وجهَهَا

وتُذَوّبُ غُربَتَها ..

 

***

 

يا فيينا

رآكِ الكثيرونَ قبلي ..

 

رأيتُ الكثيرينَ فيكِ

يهيمونَ مِثْلَ البعوضِ

بهذي الحديقةِ،

في السوقِ

بينَ المقاهي

بِكُلِّ الفنادِقِ

في عرباتِ الخُيولِ

ومِلءَ الأزِقّةِ ..

لكنّهُمْ يرحلونَ

وتبقينَ وَحْدَكِ

فاتِحةً صَدْرَكِ الرّحْبَ

للعابِرينَ إلى كُلِّ شيءٍ سِواكِ ..

 

أنا لا أراكِ كهذا البعوضِ المُنَعَّمِ

حينَ أراكِ.

 

أنا وجهُكِ المُتَصَحِّرُ

 

يقتادُني عَطشي

للنّدى المُتَخَثِّرِ في وَجْنتَيكِ

فَاُعشِبُ بالشّعرِ مِلءَ رُباكِ.

 

في شرايينِ قلبِكِ

أرصُدُ خَطوي ..

وأحسِبُ قَرْعَ حِذائي

بهذي الشّوارِعِ،

أحسِبُ نبضاتِ تَوقِكِ لي

حينَ أرْحَلُ ..

 

***

 

ها إنّني راحِلٌ يا فيينا ..

ولكنْ

إليكِ ..

وإنْ غَيّبَتْني المسافةُ،

أبحثُ عنْ سُكّرِ الوقْتِ

حتى أعودَ بِحلوى الفِراقِ

لكوبينِ مُرّينِ

ينتظِرانِ ..

 

فكيفَ عسايَ أكونُ

إذا ما الْتَقَينا،

وكيفَ عساكِ؟

 

سُكّرُ الوقتِ

يحتاجُ سُكّرةً

للطريقِ الطويلِ إلى الأَلْبِ

والأَلْبُ قلبٌ سيَخْضَرُّ أكثَرَ

حينَ نُعانِقُهُ ..

 

أيُّها الألْبُ

يا أيُّها القلبُ

ها إنّني أتأَبَّطُ رَملَ الجزيرةِ

والهَيْلَ

والقَهوةَ العربيّةَ

والحُبَّ

 

ماذا عساكَ تُخَبِّيءُ لي

حين أدنو إليكَ

بِغابةِ حُزني ..؟

 

أيُّها الأَلْبُ

عِدني بِسُكّرةٍ

لا تغيبُ حلاوتُها

حينَ أبكي على المَيِّتينَ

مِنَ القَهْرِ

والجوعِ

والحُبِّ ..

 

عِدْني بِزاوِيةٍ

تحتَ سَفْحِكَ

ألْمَسُ فيها السّحابَ بِروحي ..

وأشْرَبُ حتى أفيضَ غِناءً

تُخَلِّدُهُ العربيةُ في سِفرِ أسفارِها ..

 

أيُّها الأَلْبُ عِدني

 

وعُدني

إذا ما تَعَثَّرَ شِعري بِشَوْكِ بِلادي

التي وَدّعَتني بأغصانِ سَمْرِ الهجيرِ

بلا سُكّرٍ ..

 

سُكّرُ الوقتِ

يحتاجُ سُكّرةً

تحتويني بِأحداقِها

حينَ أُقبِلُ مُراًّ عليها ..

وتَحرُسُني بالحلاوةِ

حينَ أُغادِرُها ..

كيْ أعودَ إليها بها

دونَ سوءٍ ..

 

أيُّها الألْبُ عِدني وعُدْني ..

 

***

 

ساعةُ الأربِعاءِ تدُقُّ

كأفئدةِ الراحلينَ

كأحذيةِ القادمينَ

وكُلِّيَ صَمْتٌ ..

 

تَوَقَّفْتُ بين الوداعِ

وبينَ اللقاءِ

على بَرْزَخِ الوقتِ

أشْرَعتُ نافِذَتينِ:

لِعينَيَّ

والذّاكِرةْ.

 

إنّها ساعةُ الأربِعاءِ المُراوِغِ

واللّحظةُ الماكِرة.

 

***

 

الخَميسُ تَسَلّلَ كاللِّصِّ،

كيفَ تَسَلّلَ؟

 

بالغيمِ جاءَ

وطَوّقَ ألْباً وقَلباً ..

ليَغسِلَ ليلةَ بُؤسٍ

توارى بها الوردُ عني حياءً

على غيرِ عادتِهِ ..

كانَ يحذَرُ من أن أراهُ

حزيناً عَلَيَّ بما اقتَرَفَ الآخَرونَ

وأبدو حزيناً عليهِ ..

 

الخميسُ تَحَلّلَ من سوءِ ليلتِهِ

وارتدى حُلّةَ الغيمِ ..

بادَرَني بالتحِيّةِ مُبْتَسِماً

وابْتَسَمْتْ.

 

الخميسُ هُنا

أعْجَمِيٌّ

كأهلِ البلادِ هُنا،

إنّما يفهَمُ العربيَّةَ ..

يعرِفُ كيفَ يُسايِِسُنا

حينَ نغضَبْ.

 

سُكّرُ الوقتِ

يحتاجُ سُكّرةً ..

 

والحبيبةُ

تحتاجُ مِلْحاً

تَجُرُّ بِهِ ضَغطَ هذا المكانِ

لِوُجهَتِها ..

ويمُدُّ إليها يديهِ بِلا مِنَّةٍ

حينَ تَتْعَبْ.

 

سُكّرُ الوقتِ

ذابَ من الحَرِّ ..

 

أجسادُنا

تتقاطَرُ قَطْراً ومِلحاً ..

 

هجيرُ الجزيرةِ

يغزو بِلادَ الفِرِنجةِ،

لو لا القليلُ من المَطَرِ المُتكاسِلِ

لاحْتَرَقَ الأَلبُ

والزّرعُ أمْسى هشيماً ..

 

كَأنّي بِسَمْرِ عُمانَ

يُزاحِمُ غابَ الصنوبَرِ في أرضِهِ ..

 

السّمارُ الخليجِيُّ

يجتاحُ جِلْدَ المكانِ

 

الشّقارُ تراجَعَ

 

واسْوَدَّ شَعرُ النّساءِ

كما ابْيَضَّ شَعري ..

 

***

 

يا زِلَمْسي

 

على صَمتِ طَيْرِكِ

أُصبِحُ مُنْطَفِئاً ..

على صَخَبِ العابِثينَ السُّكارى

بِأجفانِ ليلِكِ أُمْسي ..

 

بِشُبّاكِ غُرفةِ نومي

يُجَلْجِلُ صوتٌ نشازٌ

تَرَهّلَ في آخِرِ الليلِ

أَيقَظَني مَرّتينِ ..

يُذَكِّرُني أنّ صاحِبَهُ

لمْ يَنَمْ بَعدُ ..

 

أغْلَقْتُ شُبّاكَ بُؤْسِي

وَنِمْتُ قليلاً

فأيقَظَني الحَرُّ ..

حتّى كَرِهْتُ الشّبابيكَ

والنومَ

والصيفَ

والوقتَ حينَ يَمُرُّ

بلا سُكّرٍ ..

 

أيُّها الوقتُ مُرَّ

كما مَرَّ قبلَكَ ما هُوَ أجملُ ..

 

خُذْ ما تشاءُ

وخُذْني

إلى حيثُ أخلو بِكُلِّ الزّمانِ

بِزاوِيةٍ

لا تكونُ لِغيري ..

أُجَرِّدُ فيها الكلامَ من المِلْحِ

أُشهِرُ فِنجانَ قلبي لِسُكّرهِ

وأُصالِحُ بينَ الصُّقورِ

وبينَ الحمامِ بِرَأسي ..

 

أيُّها الوقتُ مُرَّ

فقافِلتي لا تسيرُ كما أشتهي ..

والطريقُ،

دُوارُ الطريقِ يُباغِتُني

كلما لاحَ لي وطني من بعيدْ.

 

كمْ أُريدُ من الوقتِ،

حتى أعودَ إلى نُقطةِ الصِّفرِ؟

 

كم خُطوةً

تستحقُّ المسيرةُ،

من أجْلِ عينِ اكْتِشافٍ جديدْ؟

 

سكّرُ الوقتِ

يحتاجُ سُكّرةً تُثلِجُ الصَّدرَ،

تُبهِجُهُ،

بينَ قوسينِ لا يُفرَجانِ:

رِفاقٌ ضِعافٌ

وحَرٌّ شديدْ.

 

***

 

فَقْمَةٌ تَتَمَطّى أمامي ..

وشمسٌ تَصُبُّ عليها الحميمَ

لِتَسرِقَ سُمْرَتَنا ..

 

إنّها الآنَ تَقْفِزُ في الماءِ

حتّى تُخَفِّفَ من نارِها ..

 

لم يَطُلْ مُكْثُها في المِياهِ الشَّهِيَّةِ

 

ها هي تَرجِعُ للشمسِ

مِثلَ الذي يستَعِدُّ لِنارِ جهَنَّمَ

تارِكةً قامَةَ السَّرْوِ

تشربُ من لَهَبِ الصّيفِ

في يدِها قَلَمٌ

وبقايا جريدةِ هذا الصباحِ

تُسَلّي بها نفسَها

وتَحُلُّ (الكلامَ المُبَعثَرَ)

في أتْفَهِ الصّفَحاتِ ..

 

عَجِبتُ لِصَبرِكِ يا فَقْمَةً

لا تموتُ من الحَرِّ

وهي التي ترضَعُ الثَّلجَ

مُنذُ نُعومةِ أوهامِها ..

 

إنّها ترحلُ الآنَ

تارِكَةً ظِلَّها في القصيدةِ

والشمسَ

والماءَ

للأُخرياتِ اللّواتي سيأتينَ

من بعدِها ..

 

***

 

سُكّرُ الوقتِ

يحتاجُ وقتاً

ليَبلُغَ عُمْقَ المَرارِ

ولا وقْتَ في الوقتِ

إلاّ الذي يَتَكَسَّرُ في الطُّرُقاتِ

ونَتْرُكُهُ خَلفَنا ..

 

خَلفَنا،

كمْ تَكَدّسَ من زَمنٍ

لم يعُدْ مِلكَنا ..

 

ميِّتٌ ما مضى

ميِّتٌ ما سيأتي

ولا حَيَّ مِنْهُ سِوى الآنَ ..

 

والآنَ يحتاجُ سُكَّرَةً

كي يطيبْ.

 

لُعبةُ الآنَ تبدو مغامرةً

حَيِّزٌ ضَيِّقٌ للفضاءِ الرّحيبْ.

 

لُعبةُ الآنَ

فِعلُ الحياةِ على مسرَحِ الخَلْقِ ..

يُتْقِنُهُ،

من تَوَحّدَ في ذاتِهِ ..

ورأى نفسَهُ بِعُيونِ الخليقةِ بِذْرَتَها

لتَراهُ بِعينيهِ مِرْآتَها ..

 

مَسْرَحُ الخلقِ

يستَقبِلُ الصُّبحَ

والطيرَ

والنّسماتِ العِذابَ

ووشْوَشَةَ الغيمِ

في مَسْمعِ الأَلْبِ

تحتَ السّماءِ بِشِبرٍ ..

 

تَمَنّيتُ لو أنني غيمةٌ

أو

صُنوبَرَةٌ

كي أعودَ بِأحلى القصائدِ

أنْثُرُها في الشّوارِعِ

كي ترتقي سُلّمَ الروحِ

أو

تترَفّعَ عن هَفَواتِ الرّصيفِ

 

فهذي الشوارِعُ

تعرِفُ فِعلَ الغُيومِ

وتَفقَهُ قولَ الصُّنوبَرِ

حينَ يُباغِتُها بالمحبّةِ ..

 

هذا الصباحُ

جديدٌ

ومُختلِفٌ

والسّماءُ بِحارٌ من الغيمِ

تهمي على الأرضِ

موجاً وثَلْجاً ..

 

تُراهُ الشّتاءُ تَقَدَّمَ ..؟

أم

أنّهُ الصيفُ

آثَرَ

ألاّ يُبالِغَ في حَرْقِ هذي العصافيرِ

وهي تُعَمِّرُ أعشاشَها ..؟

 

لا يَهُمُّ

 

فَسُكّرَتي

تتجلّى بِكُلِّ الأماكِنِ

 

تملأُ هذا الوُجودَ حلاوتُها ..

 

مسرحُ الخَلْقِ ينبُضُ شِعراً

 

لقد صارَ للآنَ معنى ..

 

أجَلْ

إنني الآنَ بِذرةُ هذا الوُجودِ

ومِرْآتُهُ ..

 

***

 

سُكّرُ الوقتِ

يحلو

 

ونبضُ الشوارِعِ

يعلو على هَفَواتِ الرّصيفْ.

 

الكنائسُ،

تَقْرَعُ أجراسَها ..

 

والسّحابُ،

بِكُلِّ خُشوعٍ تواضَعَ للهِ

صَلّى على سَفْحِ ذاكَ الجَبَلْ.

 

الصُّنوبرُ والسَّرْوُ

حُجّاجُ هذا الجمالِ

وفِتْنَتُهُ،

أذْرُعٌ من خِلالِ الغُيومِ

إلى ربِّها تَبْتَهِلْ.

 

ها هو الغيمُ يدنو من الأرضِ

يسجُدُ

يَغْمُرُ كُلَّ البُيوتِ

بِذِكْرِ الصباحِ

 

يُتَمْتِمُ خلفَ النوافِذِ

 

يقرأُ ما يتيسَّرُ من مائهِ ..

 

يوقِظُ الظامئينَ

لَعَلَّ الشِّفاهَ تُسَبّحُ

حينَ تراهُ ..

 

فَسُبحانَ ربِّكَ

رَبِّ الغُيومِ

وربِّ الجمالِ

وربِّ الصنوبرِ

هلْ بعدَ هذا التألُّقِ

في مسرحِ الخلقِ كُفرٌ ..؟

 

أجَلْ

 

ثَمَّ أفئِدةٌ كالحِجارَةِ

لا تشربُ الماءَ ..

نارِيّةٌ

تَكفَهِرُّ إذا طَرَقَ الحُسنُ أبوابَها ..

 

رَبِّ هَبْ لي من الغيمِ قلباً

تُصَلي بهِ الكائناتُ

ويبكي إذا ما بكى فَرَحاً

يُبْهِجُ الأرضَ

يُنْبِتُ فيها الطُّفولةَ

والوَرْدَ ..

 

ياربُّ هَبْ لي سماءً

وأجنِحةً

تُخْرِجُ الروحَ من سِجْنِها

لِترى نورَ وجْهِكَ

في حُلْكَةِ الليلِ ..

 

ربي لكَ الحمدُ

 

ها إنني

أتَلَمّسُ دربي إليكَ

بِعَجزي عن الشُّكرِ

 

أحمِلُ قلبي إلى ما وراءِ الجمالِ

كطِفلٍ

تَقَمّصَ ثوبَ أبيهِ بِدُنيا الصّغارِ

وتحمِلُهُ هِمَّةُ الكَشْفِ ..

 

يا ربُّ

هَبْ لي عُيوناً ترى

حينَ أغفو ..

لأكمِلَ حُلمي

وأختِمَهُ

مثلما ينبَغي ..

 

سُكَّرُ الوقتِ

يَزرعُني في المكانِ

ويسكُبُ فِيَّ البقاءَ

لأُدرِكَ ما فاتَني

من حديثِ النخيلِ وسُكَّرِهِ ..

 

قَدَمايَ هُنا

وعُيوني

تُراقِبُ ناقَةَ حُزني هُناكْ.

 

أيُّها الوطنُ المُتَفَيّءُ ظِلَّ النخيلِ

تَرَجّلْ وقِفْ

لِتلوذَ النخيلُ بِظِلِّكَ

حتى أراكْ.

 

قامَتي أنتَ والنخلُ مُجتمعانِ

 

إذا طأْطأَ الرّأسَ بينَكُما واحِدٌ،

خِلتُ أنّ السماءَ ستسقُطُ فوقي ..

 

أنا بِكُما أتطاوَلُ

مهما بعُدتُ ..

 

فكونا كما أنتُما شامِخَينِ

كهذي السماءِ،

لأصعَدَ سُلَّمَةً في السماءْ.

 

***

 

الكنائسُ

تقرَعُ أجراسَها ..

 

والسّحابُ

تَفَرّقَ بعدَ أداءِ الصلاةِ

وما زالَ قلبي يُصَلي ..

 

صلاةُ القُلوبِ

على سُكّرِ الوقتِ

لا تنتهي ..

 

كُلّما دقّ ناقوسُ هذا البناءِ القديمِ

تَذَكّرْتُ صوتَ الأذانِ بِمَكّةَ ..

ثُمَّ تَوَضَّأتُ كيما أعَلِّقَ روحي هِلالاً

بِمِئذَنةِ الكونِ فيها ..

وأشْرَعْتُ صدري

لِتَرحَلَ كُلُّ حمائمِهِ نحْوَها ..

 

وتطوفَ بِكَعبَتِها

وتحومَ عليها ..

 

***

 

القُرى في السُّفوحِ

سلالِمُ

تخطِفُ قلبَكَ

تعلو بهِ

قريةً

قريَةً

دونَ خوفٍ ..

 

تُعَلِّمُكَ السيرَ نحوَ الأعالي

وبينَ الغُيومِ

كَوَعْلِ الجِبالِ

لِتَغرِزَ قَرْنيكَ في الحلمِ

تَدخُلُ فيهِ

تُعايِشُهُ دونَ وَهْمٍ

تُغَيِّرُ فيهِ

تُنَقِّحُهُ

تَدْخُلُ في غيرِهِ

وتُزاوِجُ ما بينَ حُلمينِ

تختارُ ثالِثَها

ثُمَّ تغفو

على رابِعٍ ..

 

القُرى في السُّفوحِ

وأبقارُها المُتْخَماتُ

حياةٌ مُعَلّقَةٌ

تَأْلفُ الغيمَ ..

تَشْرَبُهُ،

قبلَ أن يتهاوى على الأرضِ ماءً

 

هنالِكَ

تنظُرُ للخلفِ تحتَكَ

نظرةَ حُزنٍ ..

 

تُسائلُ نفسَكَ:

كيفَ يعيشُ اولئكَ

في بئرِ هذا الوُجودِ؟

وكيفَ يصوغونَ أشعارَهُمْ

غارِقينِ بِقَعْرِ الحياةِ ..؟

 

وتنزِلُ

مُرْتَعِباً

قريةً

قريةً

تحمِلُ الحُلمَ

تشقى بِهِ

تَتَعَثَّرُ ..

 

ينهارُ حُلمُكَ

قبلَ الوُصولِ إلى القاعِ

يَذْبُلُ

يفنى ..

 

وتُبصِرُ فوقَكَ تلكَ القُرى

في السُّفوحِ

سَلالِمَ

تخطِفُ قلبَكَ

تعلو بِهِ

قريةً

قريَةً

 

***

 

قالَ بعضُ الحُواةِ:

بأنَّ غداً مُشْمِسٌ سيكونُ

وصَحواً

فقُلْتُ:

وماذا عن الحَرِّ؟

قالوا:

كما كانَ قبلَ المطَرْ.

 

عَلَيَّ إذنْ أنْ أُعِدَّ لذلكَ عُدَّتَهُ ..

 

أنْ أحَرِّضَ ذاكِرَتي

وأُدَرِّبَها

كيفَ توغِلُ في الظِّلِّ

حيثُ التَّقَهْقُرُ أجدى من السّيرِ

تحتَ لهيبِ التَّذَمُّرِ ..

 

عَلّمَني الصّيفُ في بَلَدي،

حينَ ينضُجُ تَمْرُ المشاعِرِ

أنْ أتَحَلّى بِبَعضِ الحَذَرْ.

 

***

 

ليلتي

سُكَّرٌ

والرُّؤى

كصبايا الجزيرةِ

في سِحْرِهِنَّ المَسائيِّ

بَلّلَهُنَّ الرّذاذُ

وعُدْنَ كطيرِ القطا

ينفُضُ الريشَ

قبلَ الرُّكونِ إلى عُشِّهِ ..

 

ليلتي

عُشُّ طيرٍ

تَوَسَّدَ أحلامَهُ

وغفا بِسلام.

 

ليلتي

شيخُها جَبَلٌ أخْضرٌ

يَتَأَهّبُ كيما يُقيمَ صلاةَ العِشاءِ

بِأشجارِ سَرْوٍ عمائمُها من غمامْ.

 

ليلتي

كلُّ شيءٍ سيَخلُدُ فيها

من البَرْدِ للنّومِ

لكنّها

لا تنامْ.

 

***

 

صوتُ نافورةِ الليلِ يكفي

 

قليلٌ من الضوءِ ينسابُ

من شُرْفةِ السّاهِرينَ هنالكَ يكفي

 

وبعضُ الوُرَيقاتِ،

بعضُ المِدادِ بهذي اليراعةِ يكفي

 

وما يتبقّى من الصّحْوِ

في آخِرِ الليلِ يكفي ..

لتُبحِرَ أشرِعَتي في الكلامِ،

سأعْبُرُهُ والنوارِسُ نائمةٌ

 

أيُّها البحرُ

ليس سواكَ هُنا

والظلامِ

وسِحْري

 

فهلْ أنتَ يا بحرُ بحري،

إذا ما دَفَنْتُ بجوفِكَ سِرّي؟

 

غدا تُشرِقُ الشمسُ

والشمسُ تفضَحُ ما يستُرُ الليلُ،

هل لكَ ألاّ تبوحَ بِأمري؟

 

أوَلّيكَ يا بحرُ صدري

بساعةِ صفوٍ

فهل لكَ ألاّ تبيعَ

إذا ما تولّيتُ ظهري؟

 

رمَيتُ بِصُرّةِ عُمْرِيَ

ثُمّ اسْتَدَرْتُ

إلى حيثُ تغفو النوارِسُ

والشّمسُ لماّ تزلْ بعدُ نائمةً ..

 

ها هي الآنَ تصحو

وتلكَ النوارِسُ تصحو

وأصحو

على صُبْحِ يومٍ جديدْ.

 

***

 

السّماءُ تُكَشِّفُ عن وجهِها

أزرقٌ وجهُها

ونظيفٌ

كقلبِ المُحِبِّ

تمُرُّ عليها الغُيومُ

مناديلَ بيضاءَ

ترحلُ خلفَ الجِبالِ

لتَمسَحَ أحزانَ أهلِ القُرى ..

 

سُكّرُ الوقتِ

يقطُرُ شهداً

بكُلِّ الفناجينِ

في طاولاتِ الصّباحِ

 

أرى الناسَ مُبتَسِمينَ

ويَرجونَ من يومِهِمْ ما يسُرُّ ..

 

سيمضونَ بعدَ قليلٍ

ويمضي الصّباحُ

وأبقى كهذا المكانِ

أُوَدّعُ من يرحلونَ

وأستقبِلُ القادمينَ إليهِ بلا سُكَّرٍ ..

 

سثكّرُ الوقتِ

يمتَصُّني،

كُلّما قَلّ وَقْعُ حلاوتِهِ في العُيونِ

 وأمْتَصُّهُ

كُلّما قَلّ وَقعي على دفتَرِ البوحِ

 

يا سُكّرَ الوقتِ

نحتاجُ سُكّرةً ..

 

أيُّها العابِرونَ كهذي الغُيومِ

ويا أيُّها العائدونَ كهذي الغُيومِ

أنا الزُّرقةُ المُستريحةُ بينكُما

فارْحلوا

ثُمّ عودوا

لأبقى ..

 

***

 

الفِرنجةُ

ليسوا كأرضِ الفِرنجةِ

خضراءَ مُفعمةٌ بالمحبّةِ ..

 

همْ كحديدِ المصانِعِ

يعملُ بالكهرُباءِ

ولا يستجيبُ لِحُزنِكَ

أو

لابْتِهاجِكَ ..

 

يضحكُ

يغضبُ

لكنّهُ آلةٌ

لا حياةَ بِها ..

قِطعةٌ من جليدْ.

 

حَسْبَ أزرارِهِ يتحرّكُ

زِرٌّ لتقبيلِ طِفلٍ

وآخَرُ للأكْلِ

ثالثُ للبسْمةِ البارِدةْ.

 

الفِرنجةُ

ليسوا كأرضِ الفِرنجةِ

تدخُلُ قلبَكَ وادِعةً

دونَ إذْنٍ،

وعينيكَ

حتى تُوَدِّعَها ..

 

الشّوارِعُ مَيِّتةٌ في المساءِ

كأنّكَ حينَ تسيرُ بِها،

لُغةٌ تَتَحَدَّرُ من فَمِ خَرساءَ تهذي ..

 

***

 

تَلَفَّتُّ ذات مساءٍ كَلِصٍّ

بِإحدى الشوارِعِ

أبحثُ عمّنْ يبيعُ رغيفاً لآكُلَهُ

 

المحلاتُ مُقفَلةٌ

والمقاهي

كأصحابِها النّائمينْ.

 

رَجَعتُ إلى الفُندِقِ المُتَسَربِلِ بالليلِ

أحمِلُ جوعي ويحمِلُني ..

تُصبِحونَ على ألفِ جوعٍ

نِيامَ المدينةِ ..

ها إنّني ذاهِبٌ

لأنامْ.

 

***

 

الفِرنجةُ

من كُلِّ حدْبٍ

بهذا الصّباحِ المُبَلّلِ

يَنْهمِرونَ على مَطعمِ الفُندُقِ

المُستفيقِ من النومِ تواًّ ..

 

تُرى

كُلُّ هذي الجنادِبِ

كانتْ تنامُ على الجوعِ مِثلي ..؟

 

صباحُ الجِياعِ إذنْ

 

طابَ يومُ الجنادِبِ

تلكَ التي لا تُحِبُّ المَطَرْ.